عبد الملك الجويني
15
الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد
انتقل الانتقال ، وذلك يفضي إلى ما لا يتناهى ، فقد ثبت بمجموع ما ذكرناه حدث الأعراض والأصول المرتبطة به . وأما الأصل الثالث ، فهو تبيين استحالة تعري الجواهر عن الأعراض ، فالذي صار إليه أهل الحق : أن الجوهر لا يخلو عن كل جنس من الأعراض وعن جميع أضداده ، إن كانت له أضداد ، وإن كان له ضد واحد ، لم يخل الجوهر عن أحد الضدين ، فإن قدّر عرض لا ضدّ له ، لم يخل الجوهر عن قبول واحد من جنسه . وجوزت الملحدة خلو الجواهر عن جميع الأعراض . والجواهر في اصطلاحهم تسمى الهيولى والأعراض تسمى الصورة . وجوز الصالحي « 1 » الخلو عن جملة الأعراض ابتداء . ومنع البصريون من المعتزلة العروّ عن الأكوان ، وجوزوا الخلو عن ما عداها ، وقال الكعبي « 2 » ومتبعوه : يجوز الخلو عن الأكوان ويمتنع العروّ عن الألوان . وكل مخالف لنا يوافقنا على امتناع العروّ عن الأعراض ، بعد قبول الجواهر لها . فيفرض الكلام مع الملحدة في الأكوان ، فإن القول فيها يستند إلى الضرورة ، فإننا ببديهة العقل نعلم أن الجواهر القابلة للاجتماع والافتراق لا تعقل غير متماسة ولا متباينة . ومما يوضح ذلك ، أنها إذا اجتمعت فيما لم يزل فلا يتقرر في العقل اجتماعها إلا عن افتراق سابق ، إذا قدر لها الوجود قبل الاجتماع ؛ وكذلك إذا طرأ الافتراق عليها ، اضطررنا إلى العلم بأن الافتراق مسبوق باجتماع . وغرضنا في روم إثبات حدث العالم يتضح بثبوت الأكوان . فإن حاولنا ردا على المعتزلة فيما خالفونا فيه تمسكنا بنكتتين : إحداهما الاستشهاد بالإجماع على امتناع العروّ عن الأعراض بعد الاتصاف بها . فنقول : كل عرض باق ، فإنه ينتفي عن محله بطريان ضد فيه . ثم الضد إنما يطرأ في حال عدم المنتفى به على زعمهم ، فإذا انتفى البياض فهلا جاز أن لا يحدث بعد انتفائه لون ، إن كان يجوز تقدير الخلو من الألوان ابتداء ، ونطرد هذه الطريقة في أجناس الأعراض . ونقول أيضا : الدال على استحالة قيام الحوادث بذات الرّب سبحانه وتعالى ، أنه لو قامت به لم يخل عنها ، وذلك يفضي لحدثه ، فإذا جوز الخصم عروّ الجوهر عن الحوادث ، مع قبوله لها صحة وجوازا ، فلا يستقيم مع ذلك دليل على استحالة قبول الباري تعالى للحوادث . والأصل الرابع ، يشتمل على إيضاح استحالة حوادث لا أول لها . والاعتناء بهذا الركن حتم ، فإن إثبات الغرض منه يزعزع جملة مذاهب الملحدة . فأصل معظمهم أن العالم لم يزل على ما هو
--> ( 1 ) هو صالح بن مسرّح التميمي ، كان خارجيا ومن مشاهير المعتزلة ، قتل عام 76 ه . انظر الفرق بين الفرق . ( 2 ) هو أبو القاسم عبد اللّه بن أحمد بن محمود البلخي الكعبي ، شيخ من شيوخ المعتزلة ، كان رأسا لطائفة منهم سموها « الكعبية » نسبة إليه . توفي عام 319 ه . انظر شذرات الذهب 2 / 281 .